في إطار عمله البحثي والتعليمي، أنجز أستديو دادا Atelier dada قراءة نقدية لكتاب Human Factors in Lighting للمؤلف Peter R. Boyce، الطبعة الثالثة، CRC Press، 2014، والصادر للمرة الأولى سنة 1981. وقد وسّعت هذه الطبعة الثالثة هذا المرجع الأساسي بإضافة فصول حول النظام غير البصري، وإنارة المشاة، والتلوث الضوئي، والعلاقة بين الضوء واستهلاك الطاقة، مع تحديث شامل لمضمونه على ضوء التقدم الذي تحقق خلال العقد السابق.
بالنسبة إلى أستديو دادا Atelier dada، تكمن أهمية هذا الكتاب في أمر محدد للغاية. فبويْس لا يقدّم منهجية جاهزة للتصميم، لكنه يوضح بدقة المتغيرات الإدراكية التي لا يمكن لأي مشروع إنارة معمارية أن يقوم على أساس راسخ من دونها. يتناول النظام البصري، وتعديلاته المستمرة، والتكيّف، والرؤية الفوتوبية والسكوتوبية والميزوبية، ثم الرؤية وحدودها، والأداء البصري، والانبهار، والانعكاسات الحاجبة، والسطوع، والوضوح البصري. وهو بذلك يسمّي ما يجعل المشهد قابلاً للقراءة أو عصيّاً عليها، مستقراً أو مضطرباً، مرهقاً أو مريحاً، مشوشاً أو واضحاً بالنسبة إلى العين. كما يبيّن بوضوح أن هذه العتبات لا تكتسب معناها إلا داخل الشروط الإدراكية التي تولّدها. فهي ليست أرقاماً تُسقط على المشروع، بل نقاط استدلال تساعد على فهم متى، وفي أي شروط، يصبح المشهد قابلاً للقراءة فعلاً.
وينطبق هذا التحفّظ أيضاً على سنّ الناظر. فالطبعة الثالثة تخصّص فصلاً كاملاً لـ "Lighting "for the Elderly، تتناول فيه التغيرات البصرية المرتبطة بالتقدّم في العمر، وآثارها في القدرات البصرية، والمهام الفعلية، والوسائل الممكنة للتخفيف من أثرها. وفي مواضع سابقة من الكتاب، يذكّر بويْس أيضاً بأن حجم الحدقة لا يتغير فقط تبعاً للضوء الواصل إلى الشبكية، بل يتأثر كذلك بعمر الناظر. وهذا يعني أن المستوى الضوئي نفسه لا تستقبله كل عين بالطريقة ذاتها، وأن عتبات الرؤية لا يمكن قراءتها بوصفها حقائق عامة منفصلة عن الشخص الذي ينظر.
وهنا تحديداً تتجلى فائدة هذا الكتاب في تصميم الإنارة المعمارية. فهو يفسّر لماذا قد يكون المكان غنياً بالإنارة، ومع ذلك يبقى ضعيف القراءة: تكيّف بصري لم يُمهَّد له جيداً، عتبة بصرية تقترب أكثر مما ينبغي من حدّها، تباين مفيد ضعيف، بروزات يبددها انعكاس طفيلي، خلفية طاغية أكثر من اللازم، سطوع مزعج، مهمة بصرية أدق من قدرة الناظر الفعلي، أو افتراض ضمني لعين معيارية لا وجود لها. كما يساعد أيضاً على تحديد اللحظة التي يكون فيها المشهد قد تجاوز بالفعل النقطة التي لا تعود فيها الزيادة في الضوء تُحسّن قابليته للقراءة.
وفي المقابل، قد يوفّر جهاز أكثر ضبطاً وتحفظاً قراءة فورية ومستقرة حين تُضبط اللماعات والفوارق والاتجاهات والانتقالات، بل وطبيعة المهمة البصرية نفسها، بدقة حقيقية. وتكمن قيمة بويْس هنا في أنه يربط بين الجوانب القابلة للقياس في الحقل البصري وبين الاستجابات الإنسانية القابلة للقياس، بحيث يُفهم الأداء البصري من خلال سرعة معالجة المعلومات البصرية ودقتها.
يتعامل بويْس، إذاً، مع مستوى أساسي: الشروط الإدراكية الأولية للرؤية. وهو يوضح ما يترتب، بالنسبة إلى أي مشروع، على حقل بصري غير منسجم، ويثبت الشروط التي تقوم عليها الرؤية. أما المشروع، فيعمل على مستوى أدق. فهو يقرر ما الذي ينبغي أن يظهر، وبأي ترتيب، وبأي قدر من التحفظ، ولأي استعمال، وبأي نوع من الحضور. وهو الذي يمنح معنى مكانياً لما يستحق أن يُرى. وهذه الطبقة لا تناقض بويْس، بل تنطلق منه.
وبالنسبة إلى أستديو دادا Atelier dada، فإن قراءة بويْس تعني إعادة المقاييس إلى موضعها الصحيح. فهي ليست حقيقة مكتفية بذاتها، وليست لغة ثانوية. إنها تصف جانباً أساسياً من الواقع الإدراكي. لكنها لا تكتسب معناها الكامل إلا حين تُربط بمشهد، وبمهمة، وبحالة من التكيّف، وبناظر حقيقي له عمره وحدوده وطريقته الخاصة في النظر. عند تلك اللحظة فقط يمكن للتصميم أن يتولى دوره كاملاً.
