نُشر كتاب Perception and Lighting as Formgivers for Architecture سنة 1977، ويشغل موقعًا خاصًا في أدبيات الممارسة المعمارية؛ فهو ليس مجرد دليل تقني للإضاءة، ولا أطروحة نظرية خالصة، بل يطرح فيه وليام م. س. لام الضوء بوصفه أداةً لتشكيل البنية الإدراكية للفضاء، لا مجرد متغيّر كمي قابل للقياس.
بعد ما يقرب من خمسين عامًا، تُنتج قراءة لام أثرًا مزدوجًا. فمن جهة، تبدو مبادئه مألوفة، بل بديهية تقريبًا. ومن جهة أخرى، تدخل هذه المبادئ في توتر مع كثير من الممارسات المعاصرة التي لا يفضي فيها تضخم الوسائل التقنية بالضرورة إلى مزيد من الوضوح الإدراكي.
الضوء بوصفه انتقاءً للمعلومات
يعيد لام صياغة سؤال المشروع: فالمسألة ليست أولًا تحديد مقدار الضوء المطلوب، بل تحديد أيّ معلومات بصرية ينبغي إتاحتها للمستخدم.
كل فضاء مشبع بالمحفزات: أسطح، كتل، انعكاسات، إشارات، حركات، وجوه، وعوائق. والإدراك البشري محدود بطبيعته، لذلك يعمل باستمرار عبر الفرز والانتقاء. عند هذا المستوى يعمل الضوء كأداة للترتيب الهرمي: يوزع البروز البصري، وينظم علاقات الشكل والخلفية، ويبني بنية للقراءة تتجاوز مجرد توفير شرط للرؤية.
من هذا المنظور، لا تكون الإضاءة الرديئة مجرد إضاءة غير كافية. إنها إضاءة موجَّهة بصورة خاطئة على المستوى المعلوماتي: تمنح أهمية لعناصر ثانوية، وتربك نقاط الاستدلال، وتنتج ضجيجًا بصريًا حيث يُفترض أن تتشكل بنية إدراكية واضحة.
الرؤية، والتعرّف، والمقروئية
يُعد التمييز الذي يقترحه لام بين الرؤية، والتعرّف، والمقروئية من أكثر أدواته قابليةً للاستخدام في التصميم.
تشير الرؤية إلى اكتشاف وجود عنصر ما: درجة، عائق، أو عتبة. أما التعرّف فيتعلق بالتحديد: فهم أن هذا الشكل هو درج، أو مقعد، أو عمل فني، أو وجه، وهو ما يتطلب وضوح البروز، والمادة، والحدود. أما المقروئية فتعمل على مستوى البنية المكانية ككل: فهم موضعنا داخل المكان، وكيفية تنظيم المسارات، والتدرجات الهرمية، والانتقالات بين الفضاء العام والفضاء الأكثر حميمية.
يساعد هذا الإطار على تشخيص انحراف شائع اليوم: الإفراط في الاستثمار في الرؤية : غالبًا عبر زيادة الإنارة أو إبراز العناصر بشكل استعراضي , على حساب التعرّف الدقيق والمقروئية العامة. وهكذا يصبح الفضاء مرئيًا فورًا، لكنه لا يصبح بالضرورة مفهومًا بوضوح.
ضد اختزال الإضاءة إلى مستويات الاستضاءة
كتب لام في سياق اتسم بقوة المعايير الخاصة بمستويات الاستضاءة وبنزعة عقلنة الأداء.
وهو لا يرفض هذه الأدوات، لكنه يشكك في كفايتها كأساس وحيد للقرار التصميمي. وما يزال تحليله لتناقص العائد الإدراكي شديد الصلة حتى اليوم: فبعد حدّ معين، لا يؤدي رفع كمية الضوء إلا إلى مكاسب هامشية، بل وأحيانًا معدومة، في الأداء البصري، بينما تصبح عوامل أخرى, مثل التباين، واتجاه الضوء، والحجم الظاهري، وضبط الانعكاسات; هي العوامل الحاسمة.
وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة في زمن قد تحل فيه السفسطة التقنية : مثل تعدد طبقات الإضاءة، والمشاهد الديناميكية، وأنظمة التحكم المعقدة, محل الضرورة الإدراكية بدل أن تخدمها.
الضجيج البصري كأداة نقدية
يُعد مفهوم «الضجيج البصري» من أكثر مساهمات لام خصوبة على المستوى النقدي.
فالضجيج البصري لا يقتصر على الوهج أو الإزعاج الفيزيولوجي، بل يشير إلى كل مثير بصري يجذب الانتباه من دون ضرورة: وحدة إنارة تفرض نفسها كجسم مستقل، سطح مضيء بلا محتوى إدراكي، تشكيل سقفي ينافس الفضاء، أو تباين يزاحم العنصر الأساسي على مركز الانتباه. وبهذا المعنى، يدعونا لام إلى التفكير في الراحة البصرية لا فقط بوصفها غيابًا للإزعاج، بل أيضًا بوصفها غيابًا للمثيرات غير الضرورية.
وتغدو هذه الأداة النقدية مفيدة خصوصًا عند قراءة بعض الإنتاجات المعاصرة: تراكم التأثيرات، والأنظمة التفاعلية الدائمة، وتكدّس الإشارات الضوئية إلى حدّ محو أي تراتب. في هذه الحالات، يتوقف الضوء عن تنظيم الإدراك ويتحول إلى تدفق غير مفلتر للمعلومات.
الواجهات الإعلامية: النموذج والانحراف والاستخدامات البديلة
تمثل الواجهات الإعلامية مثالًا متطرفًا على الضوء بوصفه صورة لا مجرد شرط للرؤية.
ففي بعض المناطق ذات الطابع التجاري المفرط : من تايمز سكوير في نيويورك، إلى أجزاء من شريط لاس فيغاس، وصولًا إلى مراكز حضرية محددة في الصين، ومعها عدد متزايد من المواقع في الشرق الأوسط التي تستنسخ هذا النموذج , تتحول هذه الأنظمة إلى شاشات حضرية كاملة مكرسة للتواصل التجاري، فتشبع الحقل البصري وتولد فائضًا بصريًا واستهلاكًا طاقيًا واختلالات بيئية ذات أثر واضح.
ومع ذلك، سيكون من التبسيط اختزال كل واجهة إعلامية في هذا النموذج الواحد. ففي أماكن وسياقات أخرى كانجازات ستوديو دادا مثلا، أتاحت التقنية نفسها مشاريع أكثر تجذرًا في المكان: واجهات تمد البنية المعمارية إلى البعد الزمني، أو تشتغل على سرديات محلية، أو تتعامل مع الضوء كمادة شعرية وسياقية لا كحامل بسيط للرسائل.
ومن ثم يصبح السؤال أقل تعلقًا بإدانة الواجهات الإعلامية أو تمجيدها، وأكثر ارتباطًا بما إذا كانت تعزز مقروئية المكان وهويته، أم تكتفي باستيراد نموذج استعراضي موحّد على حساب التوازنات البصرية والطاقية والبيئية.
النافذة بوصفها معلومة
ما تزال الصفحات التي يخصصها لام للضوء الطبيعي شديدة الراهنية.
فالنافذة ليست لديه مجرد فتحة مضيئة، بل ناقلًا للمعلومات: الزمن، والمناخ، والسماء، والعمق، وحركة الخارج. وهي تربط المستخدم باستمرارية مع العالم الخارجي. وعلى العكس من ذلك، توفر بعض الحلول المعاصرة : الزجاج عالي الترشيح، والواجهات شبه الشفافة الممتدة، والأسقف التي تحاكي السماء, ضوءًا مريحًا، لكنه فقير من حيث المحتوى المعلوماتي.
في سياق يُختزل فيه الضوء الطبيعي كثيرًا إلى مؤشرات طاقية أو معايير راحة، يذكّرنا لام بأن الضوء جزء من بيئة إدراكية أوسع تمسّ في آن واحد الفيزيولوجيا والعلاقة الرمزية بالمكان.
منهج أكثر منه نموذجًا
يحمل كتاب لام آثار زمنه: أنواع المشاريع، والمرجعيات التقنية، والخيال الحداثي.
وهو لا يقدم نموذجًا جاهزًا للتكرار، ولا أسلوبًا ضوئيًا يُحتذى. تكمن قوته في موضع آخر: في الطريقة التي يفرض بها صياغة أسئلة بسيطة ولكنها صارمة قبل أي قرار تقني. ما الحاجة الإدراكية الفعلية؟ ما المعلومات التي ينبغي إتاحتها؟ أي العناصر يجب أن يبرز، وأيها ينبغي أن يبقى في الخلفية؟ ما الذي يدعم التوجيه، وما الذي يولّد الضجيج؟
في حقل يُطلب فيه من الضوء على نحو متزايد أن ينتج تأثيرات وصورًا وتواقيع بصرية، يعمل لام كقوة موازنة. فهو يذكّر بأن الضوء لا يمنح العمارة شكلها الحقيقي إلا بشرط ألا يسعى، منذ البداية، إلى تقديم نفسه بوصفه فرجة مستقلة.
© أستديو دادا Atelier dada. جميع الحقوق محفوظة.
لا يجوز نسخ النصوص والمفاهيم والتأملات المنشورة على هذا الموقع أو اقتباسها أو تعديلها أو نشرها دون إذن مسبق.
