طفل في الثامنة من عمره، كفيف منذ الولادة، يخضع لعملية جراحية عام 1910. تُشفى عيناه. تُنزع الضمادات.
تتحرك يدٌ أمامه. "ماذا ترى؟" "لا أعرف"، يجيب. يحرّك الطبيب يده مجددًا. "ألا تراها تتحرك؟" "لا أعرف." عيناه سليمتان . لكنهما لا تتبعان شيئًا. كل ما يبلغه ليس سوى وهجٍ متغيّر، بلا حدود، بلا عمق، بلا قوام.
ثم يُسمح له بلمس اليد وهي تتحرك، فيصرخ منتصرًا: "إنها تتحرك!" يستطيع أن يشعر بحركتها. يستطيع، كما يقول، أن "يسمعها" تتحرك. لكنه لا يزال بحاجة إلى أن يتعلّم، بجهدٍ شاق، أن يراها تتحرك.
هذه الحالة التي يرويها آرثر زاجونتس تلامس جوهر الكتاب: قد يبلغ النور العين قبل أن تُولد الرؤية بعد. الرؤية تتطلّب لقاء نورين: نور الطبيعة، ونور العقل الذي يجب أن يُبنى، بصبر، من اللمس والصوت والذاكرة والزمن. قبل أن يتحوّل وجهٌ أو يدٌ أو حركةٌ إلى حضور، يجب أن يتعلّم الإدراك أولًا أن يتعرّف، ويربط، وينظّم ما يصله بدايةً كوهجٍ محض.
بعض المرضى، أمام هذه اللغة الجديدة والمُثقِلة، اختاروا العودة إلى العمى. يسجّل زاجونتس هذا أيضًا: دليلًا على هشاشة هبة الرؤية، وعلى أنها، في جوهرها، هبة مُتعلَّمة.
من هذه العتبة، ينسج الكتاب تاريخًا طويلًا، أشبه بهجرة للوعي عبر القرون. النور يغيّر لغته ووجهه.
في مصر، لا تحتمل طبيعة النور أي غموض: النور هو نظر الإله. الشمس هي عين رع، لا رمزًا لها، بل هي عينه فعلًا، ورؤيته هي حياة العالم نفسها. يقول رع، في بردية تورين التي تعود إلى نحو 1300 ق.م: "أنا الذي يفتح عينيه فيكون النور، وحين تنغلق عيناه يسقط الظلام." الوقوف في ضوء النهار، عند المصريين، كان وقوفًا داخل نظر الإله: أن تُرى، يعني أن تكون حيًّا؛ أن يُضيئك النور، يعني أن لك مكانًا في الوجود. وتروي أسطورة أخرى قصة العين التي ابتعدت عن موضعها كشمس، وضلّت في أعماق العالم، إلى أن وجدها الإله توت وشفاها؛ فأعادها رع، مُستعادة، إلى جبينه، حيث يلتفّ حولها الآن الثعبان المقدّس ليحرسها كنارٍ تسهر عليها في الليل؛ وهذه الحلية نفسها كان الفرعون يحملها من بعده. لم يكن للنظر البشري، في هذا النظام، نورٌ خاص به: الرؤية كانت وقوفًا داخل ضياءٍ مُقترَضٍ كليًا من الإله. لم يكن النور شيئًا صنعه الإله. كان النور هو الإله وهو ينظر.
مع اليونانيين، تنتقل هذه النار من يدٍ إلى يد. ما كانت مصر تحتفظ به لإله واحد، ومن خلاله لفرعونٍ واحد يحمل تلك العين على جبينه، يُقدّمه إمبيدوكليس وأفلاطون لكل عينٍ إنسانية. أفروديت لا تُوقد شعلة مقدّسة على جبين حاكمٍ واحد؛ إنها تضع فانوسًا في كل عين، منذ الولادة، دون تمييز. النور الداخلي الذي يرى لم يعد امتيازًا ملكيًا. يصبح، ببساطة، ملكًا مشتركًا لكل إنسان.
في اليونان، يمتزج النور بالنار الداخلية للنظر، حرفيًا. عند إمبيدوكليس، العين فانوس: أفروديت أوقدت فيها نارًا، والرؤية هي إرسال هذه النار إلى الخارج، لملاقاة النهار. أفلاطون، في محاورة "طيماوس"، يحتفظ بالصورة ويمنحها آلية: نار العين تُصدر نورًا لطيفًا يتّحد مع نور النهار، شبيهًا بشبيهه، ليشكّلا جسدًا واحدًا من النور، وهو الجسر الذي يبلغ من خلاله العالم الروح. الرؤية، عند اليونانيين، لم تكن استقبالًا أبدًا. كانت لقاءً، يتشكّل عند النقطة التي يلتقي فيها نوران.
كل حضارة، بهذا المعنى، تتعلّم أن ترى بطريقة مختلفة. النور لا يُنير الأشياء فقط: إنه يُنير أيضًا الطريقة التي تتعلّم بها كل ثقافة أن تُسمّي وتُحسّ وتُنظّم المرئي.
ثم تنكمش النظرة. يدخل النور إلى الغرفة المظلمة. ينكسر عبر الموشور، يتجزّأ، يُقاس، ويتحوّل إلى قانون.
هذه اللحظة تحمل عظمة الفتوحات الفكرية الكبرى.
نحو سنة 1000، يضع ابن الهيثم أسس علم بصريات دقيق. بعد ستة قرون، يهذّب كبلر آلية العين نفسها. بعده بقرن، يحوّل نيوتن الموشور إلى قانون. وكل من يأتي بعدهم يهبون الإنسانية دقّة استثنائية. المرئي يصبح قابلًا للحساب. اللون ينبسط إلى طيف. الفضاء يستسلم للنمذجة. العالم يكتسب وضوحًا جديدًا. ومع ذلك، تحت هذا الانتصار، يبدأ سؤالٌ آخر بالنبض: ما مصير التجربة المعيشة للرؤية عندما يُدرَك النور، في المقام الأول، كَكمّ، أو مسار، أو جسيم، أو موجة؟
مع غوته، بعد قرن من نيوتن، يستعيد النور التواصل مع العالم المعيش. الألوان تولد عند الحواف، في ذلك المكان المتقلّب حيث يلتقي الوهج بالعتمة. تستعيد الظاهرة كثافتها. يستعيد المُلاحظ موضعه فيها. الرؤية تصبح مشاركة من جديد.
تستمر الرحلة مع فاراداي، وماكسويل، وأينشتاين، وبلانك، وبور، وفاينمان، عبر القرنين التاسع عشر والعشرين. وكلما تقدّم النور في تاريخ العلوم، ازداد دقّةً وحركةً وانفلاتًا. حقل، موجة، كمّ، سرعة قصوى، احتمالية، جمال رياضي: كل نظرية تقترب منه بكثافةٍ متجدّدة. العلم يزداد دقّة، والسرّ يزداد عمقًا. في هذه الصفحات، يصبح النور امتحانًا للعقل نفسه. يُلزم الفكر أن يبقى مرنًا، وأن يتقبّل أن العالم يُعطى في طبقات، وعلى فترات، في تجلّياتٍ متتابعة.
إلى جانب ذلك، يظهر سيزان كرفيقٍ طبيعي لهذا الخط من التفكير. أمام المشهد الطبيعي، ينظر طويلًا. يعود. ينتظر. يتغيّر مظهر الجبل والماء والأشجار، وتتبدّل درجات الألوان والكثافة والعلاقات اللونية فيما بينهم، بتغيّر الوقت ودرجة الانتباه. الرسم يصبح تحقيقًا. يدرس المرئي كما يفعل العلم، بطريقةٍ أخرى، بصبرٍ آخر، وأداةٍ أخرى، وأمانةٍ أخرى. الفن يدخل التحقيق ويذكّرنا بأن الرؤية تُبنى في الزمن، وأن اللون يحيا بالعلاقات، وأن الشكل لا يصل إلى الوعي إلا ببطء. النظرة تصبح ممرًّا يعيد العالم عبره تشكيل نفسه.
ما يتركه زاجونتس ينتمي إلى تحوّلٍ في النظرة، حيث يُتناول النور كحقيقةٍ فيزيائية وثقافية وذهنية وشعرية في آنٍ واحد. المعرفة تتطلّب أكثر من التفسير. الرؤية تتطلّب أكثر من الاستقبال. المُلاحظ ينتمي كليًا إلى مغامرة المرئي.
إذن، أن نُمسك بالنور هو أن نُمسك بشيءٍ أكثر باطنية، عند النقطة الدقيقة التي يتحوّل فيها الإدراك إلى وعي.
بالنسبة لمن يصمّمون بالنور، الدرس مباشر. وضع النور في فضاء ما ليس أبدًا مجرّد إنارته. إنه تشكيلٌ للشروط التي بفضلها سيتعلّم من يقف هناك أن يرى.
وفي أستديو دادا Atelier dada، تندرج هذه القراءة ضمن المراجع التي تواصل تغذية مقاربتنا للإدراك وللمرئي. وهي تستند هنا إلى كتاب آرثر زايونك، Saisir la lumière: Histoire entrelacée de la lumière et de l’esprit humain، منشورات Triades، سنة 2017، وهو الترجمة الفرنسية لكتاب صدر أولاً بالإنجليزية تحت عنوان Catching the Light: The Entwined History of Light and Mind سنة 1993.
© MI. Bouhlel, أستديو دادا Atelier dada. جميع الحقوق محفوظة.
لا يجوز إعادة إنتاج النصوص والمفاهيم والتأملات المنشورة على هذا الموقع، أو تكييفها أو نشرها، من دون إذن مسبق.
